مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

30

تفسير مقتنيات الدرر

القرآن وشريعة الإسلام لأنّه أمر اللَّه بأن يحكم بينهم والأمر يقتضي الإيجاب به . وقال جماعة من المفسّرين : إنّ هذا ناسخ للتخيير في الحكم بين أهل الكتاب أو الإعراض عنهم « 1 » * ( [ ولا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ] ) * أي ولا تنحرف عمّا جاءك من الحقّ متّبعا أهواءهم ولذلك عدّاه بعن روي أنّ جماعة من اليهود قالوا : تعالوا نذهب إلى محمّد - صلى اللَّه عليه وآله - لعلَّنا نفتّنه عن دينه ثمّ دخلوا عليه وقالوا : يا محمّد قد عرفت أنّا أحبار اليهود وأشرافهم وأنّا إن اتّبعناك اتّبعك كلّ اليهود وإنّ بيننا وبين خصومنا حكومة فنحاكمهم إليك فاقض لنا ونحن نؤمن بك فأنزل اللَّه الآية . وتمسّك من طعن في عصمة الأنبياء بهذه الآية وقال : لولا جواز المعصية عليهم لما قال : « ولا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ » والجواب أنّ ذلك مقدور له ولكن لا يفعله ولمّا كان مقدورا له فجاز النهي وقيل : الخطاب له والمراد امّته كقوله : « لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ » « 2 » . * ( [ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً ومِنْهاجاً ] ) * الخطاب للأمم الثلاث : امّة موسى وامّة عيسى وامّة محمّد لأنّ ذكر هؤلاء قد تقدّم في قوله : « إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ ، الآية » ثم : « وقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ » ثمّ قال : « وأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ » ومعنى شرع : بيّن وأوضح يقال : شرعت الإهاب إذا شققته وسلخته إذا الشروع في الشيء هو الدخول فيه . والشريعة : المشرعة الَّتي يشرعها الناس يشربون منها فالشريعة فعيلة بمعنى المفعول وهي الأشياء الَّتي أوجب اللَّه على المكلَّفين أن يشرعوا فيها . والمنهاج : الطريق الواضح قال بعضهم : الشرعة والمنهاج عبارتان عن معنى واحد والتكرير للتأكيد والمراد بهما الدين . وقال آخرون : بينهما فرق : فالشرعة عبارة عن مطلق

--> ( 1 ) قاله الجبائي على ما في المجمع . ويمكن ان يقال بعدم التنافي بين الحكمين لإمكان حمل هذه الآية على ما إذا شاء الرسول ان يحكم بينهم فيكون التخيير اقدم رتبة من وجوب الحكم بالقرآن كما أوضح عنه فيما تقدم بقوله : « فان جاؤوك فاحكم بينهم أو اعرض عنهم - وهذا هو التخيير - . . . وان حكمت - وهو اختيار أحد طرفي التخيير - فاحكم بينهم بالقسط » . ( 2 ) الزمر : 65 .